اعترافات على أسوار الصمود
بين الاعتراف والمراجعة والاعتذار حتى التوبة
ليس مجرد بوح ، وليست مجرد فضفضة .. وإنما هي مراجعة ذاتية واجبة .. ربما تكون مراجعة ذاتية لجيل كامل تكونت قيمه وأفكاره ورؤاه بطريقة معينة ووفق معطيات عصر معين ، وليكن عصر ما قبل انفجار الثورة الإعلامية الهائلة ، وشاء القدر أن يعيش ملامح عصرين مختلفين وهو في سن تفرض عليه أن يكون في كامل فاعليته وقدرته على العطاء والتعاطي مع الأحداث ، وقد تكتسب أهميتها من ذلك ..
وربما تكون مراجعة ذاتية فردية تعبر عن مجرد الذات .. لكنها في النهاية تبقى اعترافات ومراجعات حركها زلزال الأحداث القريبة الماضية ..
ولاشك أننا أبناء ثقافة تعلي من شأن المراجعة ، وترفض المكابرة بالخطأ ، وتقر الاعتراف به فيقول المثل الشعبي : الاعتراف بالخطأ فضيلة .. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم مقرا بأن رؤيته الآنية أفضل وأكثر صوابا مما ارتآه سابقا في أمر نسك الإحرام بالحج : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لسقت الهدي ولحللت معكم ) .. ومفهوم التوبة في الدين هو الاعتراف بالخطأ والرجوع عنه وعدم الاستكبار والإصرار عليه يقول المولى عز وجل : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) آل عمران 135 ..
وإذا كان لي أن أحاول ممارسة فضيلة الإقرار بالخطأ والاعتراف به ، متطهرا من فاحشة سوء تقدير الموقف وعدم قراءة الواقع والمتغيرات بصورة واضحة ، مع سوء الحكم على تقديرات قادة المقاومة في غزة الصمود .. التي زلزلني صمودها زلزالا يجعلني أحاول إعادة الفهم من جديد .. ليس هذا فقط ، وإنما يجعلني في طور إعادة ترتيب نسق فكري مغاير لما رتبته من قبل .. وهنا لابد من الاعتراف كذلك بأن الأمر يحتاج إلى مراجعة ثوابت فكرية وقيم راسخة وليس فقط مجرد الاعتراف بالخطأ في تقدير الأمور ، بل إن الموضوع يحتاج إلى مشاركة الجيل الأحدث من الشباب الذي يتفاعل مع الأحداث بشكل مختلف ، ربما لعدة عوامل منها انه نشأ في عصر واحد أكثر انفتاحا وأعمق رؤية ، ليعيد لنا رسم المنظومة الفكرية في التعاطي مع المتغيرات ، في غير تكبر أو اعتداد بالسن وسابق التجربة ورصيد الخبرة ، التي لم تشفع كلها في تكوين الرؤية السليمة في المشهد الأخير .. بل على العكس جعلتني أختار الرهان الخطأ متوقعا وبشدة انهيار المقاومة الباسلة بفعل ظرف إقليمي ودولي مناوئ ، وآلة عسكرية وحشية وغاشمة وتفاوت مروع في تكافؤ القوى ، بعد مرحلة طويلة من الحصار والتجويع ، فإذا بها تشمخ بصمودها أبية عالية خفاقة ..
فإذا بي شخصيا أقف على مفترق طرق .. إما التمسك بما اعتقدته دائما مترنما بالثقة التي لا تقبل الجدل في المنهج والوسائل ، مكذبا إرهاصات الأحداث باعتبار الحدث العابر لا يغير من أحكام التاريخ شيئا ، وإما أن أعلن حيرتي ، واطلب المساعدة والدرس الخصوصي من الشباب فاتحا قلبي وعقلي وفكري لنعيد معا صياغة الفكر في زمن المقاومة والصمود .. ووجدت نفسي مهيئا للاختيار الثاني معكم اعرض أخطائي على أسوار صمود غزة .. نتناقش ونتفاعل ونتعلم ..
غرور الحكمة
في بداية التسعينات من القرن الفائت .. كانت الحركة الإسلامية بقيادة جبهة الإنقاذ في الجزائر على أعتاب تحول مزلزل بعدما حققت فوزا كبيرا في انتخابات البلديات ثم تلته بتحقيق فوزا ساحقا في انتخابات البرلمان ، كانت النتائج التي حققتها الجبهة ثورية وعنيفة ، كانت أروع حتى من أن يصدقها شباب الصحوة أنفسهم .. كنا وقتها في مصر نتابع ونرصد ونحلل .. وكنت طالبا جامعيا لا يؤبه برأيه ، على الأقل في شأن إقليمي على هذا المستوى من الأهمية والخطورة .. لكني كنت بحكم الواقع أمارس توجيها فكريا ما أسفل سلم التدرج الفكري والتنظيمي .. سمعت همهمات و أحسست قلق الشباب من حولي واندهاشهم لهذه التجربة التي كانت تعني بالنسبة لهم إفلاس التجربة الإسلامية المصرية ، التي ربى عمرها على السبعين عاما دون أن تحقق شيئا يسيرا مما تحقق في بلد المليون شهيد .. حتى جاءني صديق ينقل لي أحاسيسهم بصراحة ويسألني بامتعاض واستياء مما نحن فيه وفرحة كبيرة بما تحقق في الجزائر .. واذكر يومها أنني أجبته قائلا : أنا مثلك سعيد جدا بهذا الفوز الكبير .. غير أنني أقول لك انه لن يمر أسبوعان حتى تجهض هذه التجربة وينقلب عليها مدعو الديمقراطية شر انقلاب .. ودهش الصديق وهم أن يجادلني فقلت له : هذه التجربة بالنسبة لي كجد كبير حبيب جدا إلى قلبي هو مريض ولكني أحبه جدا وأدعو الله له بالشفاء ولكني موقن بعلامات وأعراض معينة انه مقبل على الموت خلال فترة وجيزة جدا .. وهو حتما سيموت .. وحتما سأحزن عليه بشدة رغم توقعي المسبق بقرب وفاته .. كذلك تجربة الجبهة بالجزائر .. ولم ينقضِ الأسبوعان حتى كان الصديق نفسه يقف بباب منزلي يسألني : كيف كنت ترى بعين اليقين ما كنا نعده مستحيلا ؟
كانت بدايتي مع غرور الحكمة .. كنت أستقرأ الواقع واستنطق الظروف المحيطة إقليميا وعالميا ومحليا ، وانزل التاريخ على الأحداث ، واشتق من التجارب القريبة والعبر والخلاصات ما أتنبأ به لمآلات الأحداث ، فلا أرى في محنة ما إلا الفرج القريب ، ولا في ما يظنه الناس نصرا قريبا إلا مقدمة لضربة أو تراجع ما ..
في الفترة التي سبقت الاحتلال الأمريكي للعراق كنت اكتب للشباب ما يعتبر السيناريو المتوقع لنهايات المعركة وواجبنا النفسي والتربوي نحوها ، حتى ظن بعضهم أني انعي العراق قبل أن تسقط ، أو أمهد النفوس الثائرة لقبول هزيمة موشكة .. وعرفت بعد ذلك أن هذه المقالات درست بعد ذلك لشباب الحركة للتخفيف على أنفسهم من صدمة السقوط الكارتوني للنظام العراقي ..
في أزمات كثيرة لاحقة وسابقة كنت حاضرا بقلب وعقل مختلف لا يذهل للمصيبة بقدر ما يحاول التخطيط لكيفية الخروج منها ، ولا يهلل للفرحة بقدر ما يحاول رصد تداعياتها !!!
لم أدع أبدا أني أعلم الغيب ، أو أني أنفرد برؤية ما لا يراه أحد .. الأمر لم يعدو أن يكون برمجة – كبرمجة جهاز الكمبيوتر – مقدمات دائما تؤدي لنفس النتائج ، تاريخ ولابد أن يعيد نفسه .. حتى بدت لي الأحداث وكأنها فيلما سينمائيا أبيض وأسود يعاد تصويره بالألوان .. تتغير أسماء الممثلين لكن القصة والسيناريو والحوار واحد ..
ثوابت لا تقبل النقاش .. هل ننزلها غير موضعها ؟
ظننا في أنفسنا بعضا من الحكمة من الممارسة ، وتراكم نجاح التوقع وسداد الرؤية مرة بعد مرة .. وعضد ذلك ما اعتبرناه ثوابت لا نحيد عنها ، لا تقبل في نفوسنا النقاش أو الجدل .. وما أصعب علينا أن نخلط بين الثوابت والمتغيرات ، فالتفاوض على المتغيرات مرونة ومرحلية ، والتفاوض على الثوابت تنازل ، والتشبث بالثوابت ثبات وصمود ، والتشبث بالمتغيرات جمود وتخلف ورجعية .. ولا أظن أن هناك مشكلة تصيب الفكر والحركة في مجال الدعوة والتنظير والعمل الإسلامي بقدر مشكلة الخلط بين الثوابت والمتغيرات ، وإنزال النصوص والمواقف الإسلامية المختلفة في غير مواضعها والاستشهاد الخاطئ بوقائع التاريخ .. وهذا ما يؤدي إلى ضبابية الرؤية وغياب الوعي والإدراك ..
ضد الفتنة – مع حقن الدماء
ومن هذه الثوابت التي شكلت لي قيمة أساسية بغض الفتنة .. يصف المولى عز وجل المنافقين بقوله (لو خرجوا فيكم ما زادوكم الا خبالا ولاوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنه وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين )التوبة 47 ، وروي عن النبي صلى الله عليه ولم قوله : الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ، و في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “ستكون فتن؛ النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الساعي، فمن وجد ملجأ أو معاذاً فليستعذ به ” ، ولقد كان الحسن بن علي سيد شباب هذه الأمة وحكيمها يفرق من الفتنة ، جمع الله تعالى به الأمة بتنازله عن الخلافة والخلاف لمعاوية رضي الله عنهما ، وسمي ذلك العام في التاريخ الإسلامي بعام الجماعة ، ولقد لقي كثيرا من العنت في سبيل ذلك من أتباعه وأعوانه وشيعته فكان أصحابه يقولون له: يا عار المؤمنين – بدلا من لقب أمير المؤمنين الذي تنازل عنه طواعية– فيقول: العار خير من النار، وقال له رجل: يا مذل المؤمنين، فقال: لست بمذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلكم على الملك .. .. وهذا العمل الجليل هو ما بشر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله “إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين”
دماء المسلمين والعرب معصومة وهي خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه تعلمنا ذلك في مدارس الدعوة ، يوم كنا نسأل رجال الإخوان الأوائل وهم يروون لنا تاريخ الجماعة ، ولم الاستسلام لقادة الثورة وقد كان الظرف التاريخي معكم وكان باستطاعتكم الوصول للحكم أو على الأقل الحيلولة دون انفرادهم المطلق بالسلطة؟! .. وكان جوابهم الدائم : حقنا لدماء الشعب ، ولو كان ذلك على حساب دماء الإخوان أنفسهم التي أريقت على أعواد المشانق وفي سجون الحربي وأبي زعبل وطرة ..
دماء ال
المزيد















