وكانت من عاداتها رحمها الله .. عندما اهدي إليها وردة أو ياسمينة ، أن تستنشق عبيرها إلى آخر قطرة ندى ، حتى تذبل ، فإذا ذبلت لم تلقها ، بل تضعها بين صفحات كتاب حبيب إلى قلبها لتحتفظ بها دائما .. وتذكرها صفحات الكتاب دائما متى ولم كانت هذه الوردة .. فتذبل الوردة ، ويظل معناها نديا أبدا في نفسها وقلبها ..
وبحثت صبيحة هذا اليوم الرائع عن وردة جديدة أرسلها لها .. فلم أجد سوى ذكرياتها هي نفسها عن هذا اليوم وليلته
فكان هذا الفصل من رواية حتى لا تموت الروح
10 – ليلة العقد
ليلة العقد كانت حلمي الدائم ، وأملي الحبيب ، منذ سنوات طويلة ، كانت تتداعي لي صورها متداخلة في سعادة وحبور غامض ، لم أكن أدرك أو أعرف ما يجب أن يكون فيها ، إنما كانت خيالات بعيدة باهتة ، كل ما أعرفه عنها أنها سعيدة بشكل أكبر حتى من قدرتنا على استيعاب السعادة ..
في فترة الخطبة ، أصبح تفكيري في ليلة العقد وحلمي به يأخذ أشكالا أكثر تحديدا ، لكنها كانت أشكالا تتراقص في مخيلتي كأنها أكبر من الواقع ، وأقرب إلى الخيال ، كنت أشعر أنني في هذه الليلة سأحصل على ..
سأحصل على أشياء تفوق الوصف ..
سيكون لي حبيب ، كيف سيكون وضع هذا الحبيب ؟
كيف ستكون علاقته معي ؟
كيف سيعبر كل منا عن مشاعره تجاه الآخر ؟
تخيلت في البداية أنني سأحصل على شقيق وصديق مثل عصام .. كانت هذه هي الصورة المبدئية ، شقيق وصديق أثق به وأعتمد عليه ، أتكلم معه ، أتكلم معه في كل شيء وعن كل شيء دون قيد أو تحفظ ، أمتزج به .. أصارحه بما في نفسي ، وآه مما في نفسي هذه ..
إن نفسي تشبه البئر العميقة الغائرة شديدة الظلمة ، ولكنها مليئة بالكنوز والأسرار معا ، وإني أريد أن أخرج كل ما يختلج داخلها ، وكل ما تموج به ، أريد أن أعرض عليه كنوزها ليستثمرها لي ، ونسعد بها سويا ، وأريد أن أخرج له أسرارها المظلمة ليقضي على هواجسها وكوابيسها ، حتى لا تبقى النفس الغائرة البعيدة تخيف تظلم ، وإنما تسعد وتنير فقط ..
كنت أعرف أن عماد في أشد الشوق واللهفة إلى أشياء بعينها ، وكنت أشد منه لهفة وشوقا إلى أشياء أنا الأخرى ..
كنت أدرك لهفته على أن يسمع اسمه منغما من بين شفتي ، وكنت أنا أكثر شوقا إلى أن أنطق بهذا الاسم ( عماد ) ، أنطق به طويلا عاليا ، أسكبه في مسمعه رقة وحنانا ، كما تسكب النحلة من عسلها في زهرة جميلة ..
كنت أريد أن أجهر باسمه بعدما تغنيت به طويلا وكثيرا هامسة به دون أن يسمعني أحد ..
وكنت أشد لهفة إلى أن أعبر له أو أقول له ، بل كنت أشد لهفة ، إلى أن أسمع نفسي أنطق بكلمة ( الحب ) ذات الوقع الجميل والأثر الرائع ، التي حرمت من التفوه بها بين أسرتي على مدار عشر سنوات ، كنت متشوقة في شغف إلى أن أقول له كلمة :
أحبك ..
كنت أشعر أن في داخلي مرجلا يغلي بالعاطفة والأشواق ، ولم أعد أطيق الاحتمال ، وكنت في أشد اللهفة على أن ألقي ما في براكين قلبي المضطرمة بالحب الكبير .. وكنت أريد مع ذلك شيئا ثالثا ، هو أن ألمس كفه بكفي ..
ثلاثة أشياء تمنيتها ، وشعرت أن الحصول عليها هو بمثابة الحصول على منتهى السعادة الإنسانية في الأرض .. لو ملكت هذه الأشياء الثلاثة ، فإنني أملك بذلك كل شيء يمكن أن يملكه إنسان على وجه الأرض ..
كنت أدرك أنني لو حققت أمنياتي الثلاث هذه ، فإن الزمن نفسه سيتوقف ، ليخلد اللحظة .. ليقدسها ..
حلمت بهذه اللحظة ليال طويلة ، وفكرت فيها أياما كثيرة ، وانتظرتها في ترقب بالغ شديد ..
وكنت أدرك أن للعاقد على زوجته بعض حقوق ، كنت أسمع عنها من أخوات دخلن هذه المرحلة ، لكني كما ذكرت من قبل كنت أتصور كل هذه الأشياء بشكل مبهم متداخل ، فلم يكن يعنيني من الأمر كله سوى الأشياء الثلاثة التي بها أشعر أنني حزت الدنيا بحذافيرها ..
لقد كانت لحظة فريدة خالدة أظن أنها كانت أجمل لحظة في حياتي الماضية ، وكذا في حياتي القادمة ، ولئن عببت من ألوان السعادة بعدها عبا ، إلا أن هذه اللحظة تبقى فريدة وحدها ، لأنها كانت المفتاح والمدخل ، ولولاها ، لما شعرت بسعادة قط ..
لقد تحققت أمنياتي الثلاث دفعة واحدة في لحظة ، لم أعد أشعر فيها بشيء يدور حولي ، وكأنني غصت في أعماق نفسي ، وبدأت أتعمق فيها إلى قرار مكين ، وأخرجت منها أضواء وأنوارا وكنوزا مذهلة ، وألقيت عنها أسرار وظلمات ، فطرحتها بعيدا عني ، وكنت أتحرك داخل ذاتي ، كنت أغلف نفسي بسعادة لم أعد أشعر معها بما يمكن أن يكون في العالم الخارجي ..
تحققت هذه اللحظة فور هبوطنا من السيارة التي أقلتنا إلى الإسكندرية ، فوضعت ذراعي على ذراعه أعلقها بها ، ولقد كان كل ما بي متعلقا به ، ولمسته أخيرا ، لأدرك فقط أنه حقيقة .. حقيقة واقعة ، وليس حلما أو خيالا أو طيف إنسان ، ها هو ذراعه تمس ذراعي ، فهو إنسان حقيقي بلحم وشحم ..
وقلت له :
( عماد )
يا لها من حروف رائعة بديعة ..
انتظرها طويلا
وانتظرتها أطول
قلت له بوضوح وبصوت مسموع ، لا أثر فيه لهمس ، وإن كانت خلايا جسدي كلها تهمس به ، ودقات قلبي كانت تهتف به في نفس اللحظة ، تساعدني على أن أجهر بالكلمة الجميلة .. ثم .. ثم ألقيت ما في نفسي من حمم الحب الملتهبة ، مرة واحدة لتستقر النفس ، وتلفظ ما يموج بها ويضطرم من مشاعر حارقة ملتهبة ..
- عماد .. إني أحبك .. جدا .. جدا .. جدا ..
هكذا تحققت كل أمنياتي في لحظة واحدة بعد غروب يوم خميس ..
ولو قدر للكون كله أن يتلاشى وأن يتوقف ، وللقدر أن يوقف حياتي عند هذه اللحظة ، فما كنت سأصبح أكثر سعادة من ذلك ، فلم أكن أنتظر بعدها أي سعادة أو متعة أو لذة أخرى .. تحققت كل أمنياتي في الحياة ، ولم أكن أنتظر حتى مقابل من عماد ولا رد فعل منه .. كانت كل أمنيات الحياة عندي مرتكزة على تلك اللحظة ..
ولو أن شاعرا أراد أن يختصر كل دواوين الشعر التي قيلت في العشق والهوى ، والحب والجوى ، ولو أن كل قصص الحب ورواياته وأفلامه ومسلسلاته ، أراد لها واصف أن يلخصها في سطر ، وأن يختزلها في جملة .
ولو أن كل كلمات الغزل والعشق والهيام المعسولة الرائعة في الوجود ، كان يمكن إجمالها في جملة واحدة ..
لم يكن ذلك يخرج أبدا عن سطر بدأت به حياتي ، ووصلت معه إلى القمة ..
عماد .. إني أحبك .. جدا .. جدا .. جدا
فهل سمعتم بيتا من شعر أجمل من ذلك ؟ وهل عرف الناس أغنية يمكن أن تكون أروع من ذلك ؟ وهل قرأ الوجود قصة حب أسمى من هذه ؟..
عماد إني أحبك .. جدا ..جدا .. جدا ..
نطقت بها أخيرا .. لا لأسعده فقط ، فما عدت أفكر في أن سعادته جزء منفصل عن سعادتي وإنما سعادتنا معا هي سعادة واحدة ..
لقد اكتملت سعادتنا معا ..
أما هو .. أقصد أنا ..
أقصد ..
لا أدري ..
فلم أكن في هذه اللحظة أميز بين هو وأنا ، أو أشعر أننا شخصان .. بل امتزجت معه تماما فصرنا روحا في جسدين ، ونبضا واحدا يصدر من قلبين يرددان لحن الوجود الخالد ..
أحبك .. أحبك .. أحبك ..
أقصد أنه لو جاز لي أن أعبر عنه بضمير الغائب ، أنه لم يجب ، لم يعرف كيف يجيب ، فلم يزد على أن ضغطت ذراعه ذراعي المتعلقة بها ، يشعرني أنني معه وهو معي .. فقط
ولم ينطق لعدة دقائق تالية .. ولم يستطع حتى أن ينظر إلي ..
ولقد صارحني بعد ذلك أنه ك















