يوم لا ينسى من حياتي وهدية فصل من رواية حتى لا تموت الروح
كتبهاعلاء سعد حسن ، في 7 يوليو 2008 الساعة: 05:37 ص
وكانت من عاداتها رحمها الله .. عندما اهدي إليها وردة أو ياسمينة ، أن تستنشق عبيرها إلى آخر قطرة ندى ، حتى تذبل ، فإذا ذبلت لم تلقها ، بل تضعها بين صفحات كتاب حبيب إلى قلبها لتحتفظ بها دائما .. وتذكرها صفحات الكتاب دائما متى ولم كانت هذه الوردة .. فتذبل الوردة ، ويظل معناها نديا أبدا في نفسها وقلبها ..
وبحثت صبيحة هذا اليوم الرائع عن وردة جديدة أرسلها لها .. فلم أجد سوى ذكرياتها هي نفسها عن هذا اليوم وليلته
فكان هذا الفصل من رواية حتى لا تموت الروح
10 – ليلة العقد
ليلة العقد كانت حلمي الدائم ، وأملي الحبيب ، منذ سنوات طويلة ، كانت تتداعي لي صورها متداخلة في سعادة وحبور غامض ، لم أكن أدرك أو أعرف ما يجب أن يكون فيها ، إنما كانت خيالات بعيدة باهتة ، كل ما أعرفه عنها أنها سعيدة بشكل أكبر حتى من قدرتنا على استيعاب السعادة ..
في فترة الخطبة ، أصبح تفكيري في ليلة العقد وحلمي به يأخذ أشكالا أكثر تحديدا ، لكنها كانت أشكالا تتراقص في مخيلتي كأنها أكبر من الواقع ، وأقرب إلى الخيال ، كنت أشعر أنني في هذه الليلة سأحصل على ..
سأحصل على أشياء تفوق الوصف ..
سيكون لي حبيب ، كيف سيكون وضع هذا الحبيب ؟
كيف ستكون علاقته معي ؟
كيف سيعبر كل منا عن مشاعره تجاه الآخر ؟
تخيلت في البداية أنني سأحصل على شقيق وصديق مثل عصام .. كانت هذه هي الصورة المبدئية ، شقيق وصديق أثق به وأعتمد عليه ، أتكلم معه ، أتكلم معه في كل شيء وعن كل شيء دون قيد أو تحفظ ، أمتزج به .. أصارحه بما في نفسي ، وآه مما في نفسي هذه ..
إن نفسي تشبه البئر العميقة الغائرة شديدة الظلمة ، ولكنها مليئة بالكنوز والأسرار معا ، وإني أريد أن أخرج كل ما يختلج داخلها ، وكل ما تموج به ، أريد أن أعرض عليه كنوزها ليستثمرها لي ، ونسعد بها سويا ، وأريد أن أخرج له أسرارها المظلمة ليقضي على هواجسها وكوابيسها ، حتى لا تبقى النفس الغائرة البعيدة تخيف تظلم ، وإنما تسعد وتنير فقط ..
كنت أعرف أن عماد في أشد الشوق واللهفة إلى أشياء بعينها ، وكنت أشد منه لهفة وشوقا إلى أشياء أنا الأخرى ..
كنت أدرك لهفته على أن يسمع اسمه منغما من بين شفتي ، وكنت أنا أكثر شوقا إلى أن أنطق بهذا الاسم ( عماد ) ، أنطق به طويلا عاليا ، أسكبه في مسمعه رقة وحنانا ، كما تسكب النحلة من عسلها في زهرة جميلة ..
كنت أريد أن أجهر باسمه بعدما تغنيت به طويلا وكثيرا هامسة به دون أن يسمعني أحد ..
وكنت أشد لهفة إلى أن أعبر له أو أقول له ، بل كنت أشد لهفة ، إلى أن أسمع نفسي أنطق بكلمة ( الحب ) ذات الوقع الجميل والأثر الرائع ، التي حرمت من التفوه بها بين أسرتي على مدار عشر سنوات ، كنت متشوقة في شغف إلى أن أقول له كلمة :
أحبك ..
كنت أشعر أن في داخلي مرجلا يغلي بالعاطفة والأشواق ، ولم أعد أطيق الاحتمال ، وكنت في أشد اللهفة على أن ألقي ما في براكين قلبي المضطرمة بالحب الكبير .. وكنت أريد مع ذلك شيئا ثالثا ، هو أن ألمس كفه بكفي ..
ثلاثة أشياء تمنيتها ، وشعرت أن الحصول عليها هو بمثابة الحصول على منتهى السعادة الإنسانية في الأرض .. لو ملكت هذه الأشياء الثلاثة ، فإنني أملك بذلك كل شيء يمكن أن يملكه إنسان على وجه الأرض ..
كنت أدرك أنني لو حققت أمنياتي الثلاث هذه ، فإن الزمن نفسه سيتوقف ، ليخلد اللحظة .. ليقدسها ..
حلمت بهذه اللحظة ليال طويلة ، وفكرت فيها أياما كثيرة ، وانتظرتها في ترقب بالغ شديد ..
وكنت أدرك أن للعاقد على زوجته بعض حقوق ، كنت أسمع عنها من أخوات دخلن هذه المرحلة ، لكني كما ذكرت من قبل كنت أتصور كل هذه الأشياء بشكل مبهم متداخل ، فلم يكن يعنيني من الأمر كله سوى الأشياء الثلاثة التي بها أشعر أنني حزت الدنيا بحذافيرها ..
لقد كانت لحظة فريدة خالدة أظن أنها كانت أجمل لحظة في حياتي الماضية ، وكذا في حياتي القادمة ، ولئن عببت من ألوان السعادة بعدها عبا ، إلا أن هذه اللحظة تبقى فريدة وحدها ، لأنها كانت المفتاح والمدخل ، ولولاها ، لما شعرت بسعادة قط ..
لقد تحققت أمنياتي الثلاث دفعة واحدة في لحظة ، لم أعد أشعر فيها بشيء يدور حولي ، وكأنني غصت في أعماق نفسي ، وبدأت أتعمق فيها إلى قرار مكين ، وأخرجت منها أضواء وأنوارا وكنوزا مذهلة ، وألقيت عنها أسرار وظلمات ، فطرحتها بعيدا عني ، وكنت أتحرك داخل ذاتي ، كنت أغلف نفسي بسعادة لم أعد أشعر معها بما يمكن أن يكون في العالم الخارجي ..
تحققت هذه اللحظة فور هبوطنا من السيارة التي أقلتنا إلى الإسكندرية ، فوضعت ذراعي على ذراعه أعلقها بها ، ولقد كان كل ما بي متعلقا به ، ولمسته أخيرا ، لأدرك فقط أنه حقيقة .. حقيقة واقعة ، وليس حلما أو خيالا أو طيف إنسان ، ها هو ذراعه تمس ذراعي ، فهو إنسان حقيقي بلحم وشحم ..
وقلت له :
( عماد )
يا لها من حروف رائعة بديعة ..
انتظرها طويلا
وانتظرتها أطول
قلت له بوضوح وبصوت مسموع ، لا أثر فيه لهمس ، وإن كانت خلايا جسدي كلها تهمس به ، ودقات قلبي كانت تهتف به في نفس اللحظة ، تساعدني على أن أجهر بالكلمة الجميلة .. ثم .. ثم ألقيت ما في نفسي من حمم الحب الملتهبة ، مرة واحدة لتستقر النفس ، وتلفظ ما يموج بها ويضطرم من مشاعر حارقة ملتهبة ..
- عماد .. إني أحبك .. جدا .. جدا .. جدا ..
هكذا تحققت كل أمنياتي في لحظة واحدة بعد غروب يوم خميس ..
ولو قدر للكون كله أن يتلاشى وأن يتوقف ، وللقدر أن يوقف حياتي عند هذه اللحظة ، فما كنت سأصبح أكثر سعادة من ذلك ، فلم أكن أنتظر بعدها أي سعادة أو متعة أو لذة أخرى .. تحققت كل أمنياتي في الحياة ، ولم أكن أنتظر حتى مقابل من عماد ولا رد فعل منه .. كانت كل أمنيات الحياة عندي مرتكزة على تلك اللحظة ..
ولو أن شاعرا أراد أن يختصر كل دواوين الشعر التي قيلت في العشق والهوى ، والحب والجوى ، ولو أن كل قصص الحب ورواياته وأفلامه ومسلسلاته ، أراد لها واصف أن يلخصها في سطر ، وأن يختزلها في جملة .
ولو أن كل كلمات الغزل والعشق والهيام المعسولة الرائعة في الوجود ، كان يمكن إجمالها في جملة واحدة ..
لم يكن ذلك يخرج أبدا عن سطر بدأت به حياتي ، ووصلت معه إلى القمة ..
عماد .. إني أحبك .. جدا .. جدا .. جدا
فهل سمعتم بيتا من شعر أجمل من ذلك ؟ وهل عرف الناس أغنية يمكن أن تكون أروع من ذلك ؟ وهل قرأ الوجود قصة حب أسمى من هذه ؟..
عماد إني أحبك .. جدا ..جدا .. جدا ..
نطقت بها أخيرا .. لا لأسعده فقط ، فما عدت أفكر في أن سعادته جزء منفصل عن سعادتي وإنما سعادتنا معا هي سعادة واحدة ..
لقد اكتملت سعادتنا معا ..
أما هو .. أقصد أنا ..
أقصد ..
لا أدري ..
فلم أكن في هذه اللحظة أميز بين هو وأنا ، أو أشعر أننا شخصان .. بل امتزجت معه تماما فصرنا روحا في جسدين ، ونبضا واحدا يصدر من قلبين يرددان لحن الوجود الخالد ..
أحبك .. أحبك .. أحبك ..
أقصد أنه لو جاز لي أن أعبر عنه بضمير الغائب ، أنه لم يجب ، لم يعرف كيف يجيب ، فلم يزد على أن ضغطت ذراعه ذراعي المتعلقة بها ، يشعرني أنني معه وهو معي .. فقط
ولم ينطق لعدة دقائق تالية .. ولم يستطع حتى أن ينظر إلي ..
ولقد صارحني بعد ذلك أنه كان في حالة من السعادة ، تمنى معها لو لم يكن في الطريق العام قط ، لأنه خشي إن هو نظر إلي ، أن يعتبرنا الناس مجانين فعلا لما يمكن أن يحدث بيننا..
قال لي :
- لم أجب ، لأنها كانت لحظة لم أعد أعتقد فيها أن قدمي تلامس الأرض ، بل كنت أطير هائما أحلق في سماء السعادة العليا ..
أما أنا فلم أكن ألامس الأرض بقدمي ك>لك .. كنت في حالة من السعادة لا تكون إلا بين اليقظة والمنام ، أو أن تكون في عالم علوي ليس على الأرض .. كنت أشعر أنني هائمة ، روحي ترفرف ترتشف من السعادة ، التي غابت فيها الجوارح عن الوجود .. كنت أشعر بعد هذه اللحظات أننا نعيش من الداخل ، أننا خلعنا عنا الجسم الخارجي الذي يمثل لنا أسوارا وحواجز ، وألقيناه عنا ، كما يلقى الناس ثيابهم ، لتلتقي أنفسنا الشفافة ، وتتعانق قلوبنا النابضة بالحب ..
لم يعد لحواسنا الخارجية وجود ..
كانت هذه حقيقة مشاعري ، وليست هذه محاولة مني لجعل اللحظة شاعرية أكثر مما كانت ..
فإني أتذكر دقات قلبي وقلبه أكثر من خطوات أقدامنا ، ومن كلماتنا ..
لم نعد نتكلم ، كان القلب هو الذي يتكلم ، والقلب هو الذي يسمع ..
ولقد مضينا على كورنيش بحر الإسكندرية ، لا نعي تماما حقائق الوجود ..
قال لي كلمات كثيرة ، وكنت أستقبلها بقلبي ، كما علقت على بعضها بقلبي أيضا ..
قال لي :
أنه قرأ أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تقول أن النساء مطمورات في الرجال ..
وقال :
أنا لا أعرف على وجه التحديد معنى كلمة مطمورات .. لكني أفهم ، أو أستشف من معناها ، أن النساء متعلقات بالرجال ولهات بهم ..
وقلت له : وأنا مطمورة بك يا حبيبي ..
وقال لي :
أنه قرأ أن السيدة عائشة قالت : لقد خلق الرجل من الأرض فجعلت نهمته في الأرض ، أي أموالها وثرواتها وسيادتها ، والنساء خلقن من الرجل فجعلت نهمتهن في الرجل ..
نظرت إليه ولهى ولم أعقب
وروى لي حلما أو رؤيا ..تهت معه فيها ، وكنا نقترب على الكورنيش من محطة الرمل تقريبا ..
كان يحلم .. أننا معا في الكلية ( الدبلومة ) ، وأنه كان ينظر إلي ، وأنا أختلس النظر إليه ، حتى لاحظ الطلاب والطالبات ذلك ، وبدت ابتسامات ، وانتشرت همهمات ، ولاحظت أنا ذلك فأشحت بوجهي عنه ، حتى لا أزيد من لفت الأنظار .. وأن قلبه كان يدق بعنف لأنه كان لا يحتمل فراق نظراتنا ولو للحظات قليلة .. وكان معه – في الحلم أو الرؤيا – مذكرات أو ملخصات ، وكان يريد أن يعطيها لي ..
ثم خلا المعمل فجأة ، وانصرف جميع الطلاب ، وكذا الأستاذ .. ربما كانت فترة استراحة أو انتقال إلى محاضرة أخرى في مدرج آخر ..
غير أني بقيت في مكاني ، فجاء إلي ، ومد يده لي بالمذكرات فتناولتها منه وأنا مطرقة إلى الأرض ، لكنه لم يملك نفسه – في الحلم أو الرؤيا – فقبلني ..
عندما وصل إلى نهاية روايته لرؤيته أو حلمه .. شعرت بتهدج صوته وتردده ، وكان كأنما يسأل نفسه أيذكر كل ما رءاه أم يتوقف عند حد معين ؟ وظل الصوت يرتعش ، حتى خشيت أن يسقط مني في البحر المظلم .. ولم أشأ أن أعقب ..
وانتابني في تلك اللحظة إحساس غريب جميل .. هو أجمل إحساس يمكن أن ينتاب امرأة في حياتها ، وأظنه إحساسا ينتاب كل فتاة في مثل هذه المناسبة ..
أحسست أنني أميرة ..
هو يعاملني كأميرة ..
كأميرة كانت حتى صباح هذا اليوم من عامة الشعب ، وفجأة عند العصر ، تم اختيارها لتكون ( السندريلا ) وتصبح الأميرة العظيمة الهائمة ..
فكنت في تلك اللحظة أشعر بشعور الأميرة ، لا كأميرة من تلك الأميرات اللاتي ولدن أميرات ، وعشن حياتهن كلها كأميرات ، وإنما كفتاة من العامة ، تم اختيارها للتو أميرة حقيقية متوجة !
لكنه كان يقف أمام الأميرة يطلب ودها ورضاها كما يقف واحد من الرعاع بباب الأميرة الفاتنة ، أو كأحد أفراد حرسها المطيعين المهذبين ..
ولقد أشعرني فعلا بأنني الأميرة السعيدة الفاتنة الآمرة للقلب ، المسيطرة على كل شيء ، لكنه لم يكن يدرك أبدا أنني في نفس هذه اللحظة كنت أشعر أنه هو الملك ..
فكنت أميرة نعم ، أما هو فكان مليكي الآمر الناهي .. المليك الذي تسترضيه الأميرة بكل كيانها ..
ولا يمكنني أن أتخيل أن لحظة جلوس أي ملك وأميرته على العرش لأول مرة في حياتهما ، ممكن أن تكون أسعد بالنسبة لهما ، من هذه اللحظة بالنسبة لي ، لقد توجني عماد أميرة حبه ، فتوجته ملكا على قلبي ورأسي وروحي وكياني كله ..
هذا الإحساس ظل يسكنني فترة طويلة ، حتى أنني أذكر أننا بعد عودتنا إلى منزلي ، وبعد أن صلينا العشاء مع شقيقي عصام ، ثم استأذنت لتبديل ملابسي ، وخرج عصام من الغرفة وقلبه يحترق من الغيرة ، ثم عدت إلى عماد بعد ذلك إنسانة أخرى ، عندما رآني لأول مرة بلا خمار .. نظر إلي مذهولا ، كانت عيناه تتفحصني يريد أن يتعرف علي .. فلم يكن قدر أن يراني بهذه الصورة .. وداعبت أنفه رائحة لطيفة ، فغازلني قائلا :
- عطرك جميل
قلت له :
- ليس عطرا ، وإنما هو زيت الشعر له رائحة حلوة قوية ..
سألني بحرص من يريد أن يحفظ عني كل أدواتي واستخداماتي : ما اسمه ؟
قلت له وقد ملأني الإحساس الذي انتابني على الكورنيش :
- سأقول لك ولكن بشرط ألا تعقب .. اسمه .. زيت الأميرة ..
ونظر إلي ولمحت التعقيب في عينيه أكثر مما سمعته من شفتيه .. وضحكنا معا ، وهو لا يملك إلا أن يسمعني التعقيب .. وهو يقول :
- حقا إنك لأميرة ..
كنت أشعر بالكلمة أكثر مما تعنيه حروفها ..
وظللت معه على الكورنيش هائمة حتى عرجنا إلى محطة الرمل ، ثم أحضر لنا ( أيس كريم ) من النوع الفاخر الذي كنا نحبه ، ولم أكن أشعر بأن طعم ( الآيس كريم ) الرائع الذي كنت أحبه جدا ، والذي كان مميزا وراقيا تماما من هذا المكان ، لم أشعر أن طعمه قد أنساني مذاق كلمتي الحلوة التي عطرت فمي منذ نطقت بها :
عماد .. أنا أحبك .. جدا .. جدا .. جدا
كان النطق بها أجمل من ( الآيس كريم ) وأحلى من ( الشكولاته ) التي كنت مغرمة بها إلى حد الهوس ..
لم أفق من غيبوبة الحب اللذيذة إلا على صوت ..
لا .. في الحقيقة لم يكن صوتا ..
بل كانت وكزة تنبيه خفيفة في الكتف ..
ونظرت إلى جواري في انتباه مفاجئ .. كانت سيدة رقيقة تمشي مع زوجها بجوارنا ، ولقد حاولت لفت انتباهي للبقعة الكبيرة التي أحدثها سقوط قطعة محترمة من ( الآيس كريم ) على خماري ( السكري ) ..
إنني عندما أستعيد ذكريات هذه اللحظات ، لا أشك أن السيدة الرقيقة المحترمة نادت علي ، أو حاولت تنبيهي بالكلام قبل أن توكزني برقة في كتفي ، وأنني كنت في شغل شاغل عن سماع أي شيء حولي ، أو ربما أنها قدرت أنني لا يمكن أسمعها وأنا على هذه الحالة ، ففكرت أن تنبهني بتلك الطريقة الرقيقة ..
وعندما أفكر بتلك الطريقة تنتابني موجة من الحياء والخجل .. لقد أشهدنا خلق الله تعالى على حبنا في هذه الليلة ..
لكن لم لا ؟
لقد كانت ليلة التتويج على أية حال ..
ومضينا بعد ( الآيس كريم ) نتمشى من جديد ، ولم نعد نعرف الطرقات ولا الشوارع التي كنا نحفظها تقريبا ، فلم نعد ندري أين نسير ، ولكننا كنا نعرف أننا معا ..
وغنى لي في رقة وحب وهيام .. أغنية لابد أنها لامست شغاف قلبه ، كما أثر إحساسه بها في نفسي وقلبي ..
طول عمر قلبي خالي وبيهرب مالغرام
من كل رمش جارح من نظرة وابتسام
كانت العيون تقابله وتلمح بالكلام
كان يهرب حتى قبل ما يرد لهم سلام
لحد عنيك ما قابلوني نسيت روحي وتاه عقلي
وضحكنا طويلا ، وأنا أقول له معقبة :
- ولكني لا أريدك أن تنسى روحك .. ألست أنا روحك ؟
ولا يجب أن يتوه عقلك .. فعقلك هو الملك الذي يسير حياتنا ، فكيف تسمج له أن يتوه منك ؟
ثم حان وقت العودة ، وتحيرنا كثيرا .. من أي الطرق التي تداخلت علينا نعود ؟
وفي طريق عودتنا عرجنا على محطة الرمل ، فاشترى عماد ( فيشارا ) ومضينا أخيرا إلى المرافقين لنا شقيقي عصام ، وصديق عماد صاحب السيارة الذي دعانا بسيارته لهذه السهرة الممتعة ..
وفي السيارة في ظلام الليل الحالك في طريق عودتنا بعد منتصف الليل .. زال عني كل التحفظ الذي بدا علي في طريق الذهاب عصرا ، وزالت رهبتي تماما ..
كنت في طريق الذهاب أتحاشى نظرات عماد المتكررة إلي ، وكنت طوال ساعة أو أكثر قطعتها السيارة في الطريق .. أردد في نفسي جملة واحدة ، أريد أن أحفظها حفظا لا يدع لي مجالا للتلعثم أو التردد ، وكنت أعيش في حالة من توقع ظلالها ، ووقعها على نفس عماد .. كنت أعصر كفي بكفي الأخرى ، أو أدق على ركبتي في توتر ..
أما في طريق عودتنا فلم يعد مجال للتوتر ، ولم تعد حواجز .. كنت أنا وعماد مطمورين في بعضنا البعض ..
وكان يداعبني ( بشقاوته المحببة ) فيمد كفه في كفي ليأخذ منها ( الفيشار ) ، وتنبهت أنه يحب ( الفيشار ) فسكبت كمية من ( القرطاس الورقي المميز لفيشار محطة الرمل ) في كفه ، فعاد ووضعها في كفي ، وهو يهمس أنا لا أحب إلا أن آخذها حبة ، حبة من كفك .. فإن لها طعما آخر ..
وهمست له دون أي تكلف : ( يا شقي )
ثم لم أتمالك نفسي بعد هذا التعقيب ، ووجدت نفسي في جوف الظلام أختلس قبلة أطبعها على كتفه الأيمن حيث كنت جالسة عن يمينه ..
كانت لحظة أخرى من لحظات الإنعتاق من جاذبية الأرض وظلالها وقوانينها ..
كانت لحظة أخرى من لحظات التحليق فوق السحاب .. كنت هائمة تماما غير مدركة لجوارحي ..
وأظن أنه من الصعب أن يصدقني أحد حين أقول : أنني لم تدفعني الجوارح ، ولا أي إحساس بالرغبة عندما طبعت على كتفه هذه القبلة الخاطفة ، وإنما كانت تدفعني الروح ، ويستحثني القلب ، ولم يكن لها أي طعم خارجي ، بل كل طعمها كان في الداخل حيث النفس والروح والقلب ..
ولقد أشعرني حينها أنني كنزه الغالي الثمين ، ولست مجرد أميرة فقط ، لقد اقترب مني وهمس :
- ليس الآن يا حبيبتي .. نحن في السيارة على الطريق ، ولا أحب أن يطلع أحد على أسرار مشاعرنا ..
وحاولنا بعدها أن نلتزم الصمت والهدوء ، وحاول أن يتباعد عني ..
كانت لحظات شاقة طويلة وقاسية .. ولم يكن صديقنا صاحب السيارة يدرك ما نعانيه فكان يبطئ في سيره ليعطي لنا أكبر فرصة ممكنة للتعبير عن مشاعرنا مستغلين الظلام الدامس ..
ولم تكن بنا حاجة إلى هذا الظلام الدامس .. لقد ولد حبنا في النور ، ووصل ذروته في النور ..
وما أروع الحب وأجمله وأعظمه حين يولد في النور ، وينمو في النور ، ويصل ذروته في النور ..
نعم كان حبنا في النور ، ولا يجب أن يعجب أحد من ذلك ..
إن كل من رآنا معا كان يدرك أننا نحب ، كما لم يحب حبيب حبيبا في عالمنا من قبل ..
وكل من كان ينظر لأحدنا منفردا ، كان يوقن أنه يحب ..
وكل من كان يسمع كلماتنا المتراقصة على الشفاه تعزف للحياة لحن الحب .. كان يدرك إلى أي مدى نحن نحب ..
لقد كانت إلتماعة الحب تتألق في نظرات عيوننا .. ولقد كان نور الحب القدسي الطاهر يشع من وجهينا ..
إن كل من تعامل معنا سواء عن بعد أو قرب ، وسواء كنا معا ، أو لم نكن ، كان يدرك ببساطة ووضوح : أن كل منا يحب ..
إنه حب قوي جريء لا أثر فيه لخوف أو اضطراب ، بل هو حب مشرف يزين صاحبه ، ولا يخدش كرامته أو يسيء إليه .. أنه حب يتألق تحت سمع المجتمع كله وبصره ، في أبهة وعظمة وكبرياء ، كما تتألق الجوهرة الثمينة الرائعة بين حبات عقد ثمين ..
إن الجواهر المسروقة تظل مدفونة في الظلام محرومة من التألق والتوهج متناغمة مع مصادر النور ، أما الجواهر المملوكة لأصحابها بطرق شرعية لا غبار عليها ، فإنها تتألق دائما تحت الأضواء الباهرة ، يباهي بها صاحبها في إنفة وكبرياء ، وثقة واطمئنان ..
ولقد كان حبنا أنا وعماد جوهرة فريدة رائعة ، حصلنا عليها بطريق لا غبار عليها ، ولا شك فيها ، فكان يتوهج متلألأً كلما سقط عليه النور الباهر ..
لقد كانت هذه الليلة .. ليلة العقد .. هي أعظم ليلة في حياتي ..
كانت حدا فاصلا بين ما قد كان ، وبين ما هو آت ..
في ليلة واحدة نضجت إنسانيتي كلها لأصبح إنسانا كاملا ، بعدما عشت طويلا نصف إنسان ..
لقد فتحت في هذه الليلة باب حياة كاملة من الحب والسعادة والسكينة والرحمة ..
حياة تموج بالأحداث ، وتعج بالمواقف ، لكنها ، تتراءى أمام ناظري كأطياف عرائس خيالية ..
كأرواح تتراقص في الفضاء .. تحيا في حبور ، وتعيش في جمال أخاذ كأنه الخيال أو أبعد من الخيال ..
حياة جميلة حالمة أعيشها ، وأدركها ، وأعرفها ، ولكنني لا أملك القدرة على التعبير عنها أو وصفها .. حين تعجز كلماتي ، وتفشل مترادفات اللغة عن التعبير ..
ولذا أترك لعماد أن يعبر عن بعض ذكرياتنا عنها ..
وقد لمحته يكتب عنها فيستفيض ، وإن لم يكن قد سمح لي بقراءة ما كتبه بعد .. لكنني سوف آخذه منه حتما لأقرأ سطور سعادتنا في مذكراته ..
..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حنين وذكريات وأشواق | السمات:حنين وذكريات وأشواق
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























يوليو 7th, 2008 at 7 يوليو 2008 8:10 ص
سررت بمروري على مدونتك و ندعوك لمشاركتنا مناقشة هذه الموضوعات في مدونتنا
واشنطن:اللوبي الأمريكي الموالي لإسرائيل يحتفل بصومالية أساءت للإسلام
http://alukah.maktoobblog.com/?post=1138792
——-
حق الإقامة بدلا من حق العودة
http://alukah.maktoobblog.com/?post=1138782
ولكم منا أطيب التحية
يوليو 7th, 2008 at 7 يوليو 2008 3:23 م
صاحب الألوكة
أنا سررت أكثر بمرورك وزيارتك
وهو شرف لي
وإن شاء المولى أسعد بمشاركتك في مدونتكم الكريمة قريبا
أخوك
علاء
يناير 7th, 2009 at 7 يناير 2009 10:53 م
متى يا أستاذي سأستطيع الانعتاق من عالمكما الساحر ، ومتى ستجف دموعي المنهمرة ، متى !!
منذ أن قرأت الرواية لم أعد أدرك من أكون !
وللعلم فإني لم أقرأ الثلاثة الاجراء الاخيرة ,, لا أعلم حالي كيف سيكون إن قرأتها !
أبحث بشغف عن مقالاتك .. عن تلك الإنسانه الرآئعه التي أحببتها ..
كنت أظن أنني أكثر ضبطا لمشاعري من أن أحب فتاة لا أعرفها .. فوجدت روحي تحبها ..
وسؤال يلح علي .. أكانت تلك الأسرة تعيش بين ظهرانينا ونحن لا نشعر بها !_!
أسأل ربي جلت قدرته أن يجمعك بها في عليين
سأكون متابعه دوما , إن شاء الله
عسى الله أن ييسر لي الحصول على الرواية
بشوق لنهايتها