رؤية شرعية .. المنقبات على الطريقة السينمائية
كتبهاعلاء سعد حسن ، في 29 مايو 2008 الساعة: 22:26 م
رؤية شرعية.. منقبات على الطريقة السينمائية
لا أحد يستطيع أن يتجاهل موهبة المخرج الشاب رامي عبد الجبار وامتلاكه للمعرفة التقنية بالوسيط الذي يعمل من خلاله وهو وسيط الفيلم، وهو ما لفت الانتباه له من كثير من النقاد والمعلقين على السينما المستقلة في مصر، وهو ما جعل كثيرًا من المهرجانات المحلية والعالمية تفتح أبوابها أمام أفلامه التي حصلت على جوائز في المهرجان القومي للسينما المصرية.
ويضاف إلى ذلك نوعية موضوعات أفلامه، والتي تبدو دائما مثيرة للجدل وصادمة في أغلب الأحيان.
اختراق التابوهات
منذ فيلمه الأول بيت من لحم والذي استلهم فيه قصة يوسف إدريس القصيرة من مجموعة بنفس الاسم والذي تدور أحداثه حول أسرة مكونة من أم وبناتها الثلاث، حيث تقرر الأم الزواج من قارئ القرآن الضرير الذي لا يتعرف على الأم إلا من خلال خاتم الزواج، وذلك لأن بناتها يشاركنها الفراش، فتقرر البنات الثلاث تبادل خاتم الزواج مع الأم حتى يستطعن إقامة علاقة مع زوج الأم الضرير، وسط حالة من التواطؤ الكامل من الجميع وصمت الأم عن هذا الأمر..
وبدا وقتها أن اختيارات رامي تحاول الدخول للممنوع واختراق المحظور والمسكوت عنه وهدم التابوهات الفنية الجنسية والدينية دون السياسية منها.
أما فيلمه الثاني والذي تعاون فيه مع كاتب السيناريو رامي يحيى فكان فيلم فلوس ميتة ويبدو الفيلم قد ابتعد عن عادة مخرجه في اختراق مواطن التابو، لكنه لم يتخلَّ عن ولوجه عالم المسكوت عنه، والفيلم حاز أيضا على جائزة في المهرجان القومي للسينما.
ودارت أحداثه في عالم المهمشين من الباعة الجائلين الذين يقفون في منطقة وسط البلد في قالب فيلمي أقرب إلى أفلام العصابات، وعلى الرغم من حصول الفيلم على جائزة المهرجان علق العديد من المتابعين لرامي بأنه أقل في المستوى الفني من بيت من لحم.
خلف النقاب
يعود رامي عبد الجبار لاختراق التابوهات الاجتماعية في فيلمه الأخير رؤية شرعية والذي تدور أحداثه داخل عالم الملتزمين دينيا، وتحديدا داخل عالم المنقبات، فالبطلة الرئيسية منقبة يتقدم لخطبتها شقيق إحدى صديقاتها، وبعد أن يطلع على وجهها في جلسة الرؤية الشرعية.
نستشعر أن هناك شيئا قد تغير بداخلها وأصبح يؤرقها بشدة إلى درجة أنها قامت بكتابة ما يقلقها في ورقة لأحد الشيوخ فنهرها نهرا شديدا، كل هذا ولا يستطيع المشاهد أن يستنبط ما هو السؤال الذي عرضته على الشيخ، ولا يستطيع أن يخمن ما الذي تغير بداخلها وأصبح يزعجها بعد حادثة الرؤية الشرعية.
ينتهي الفيلم في مشهد طويل نسبيا حيث تقف الفتاة قرب الفجر داخل شباكها الذي هو أقرب إلى القفص الحديدي تغطى وجهها تبتعد عنها الكاميرا حتى تتضح معالم القفص الحديدي الذي تقف خلفه وهي تستمع إلى آية من القرآن الكريم تحديدا الآية من سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [المائدة:101].
شباك حديد
بعيدا عن تأويل المشهد الأخير، خاصة بعد قراءته في ضوء تكوين المشهد داخل الشباك الحديدي وأيضا في اعتبار شريط الصوت الذي نسمع فيه الآيات القرآنية، وبعيدا عن الرأي في النقاب ومدى مكافأته لمعنى الالتزام الديني أو المغالاة، يبقى أن هناك عددًا من الإشكاليات التي يطرحها الفيلم والتي لا بد من قراءتها بعمق.
أولى هذه الإشكاليات هي السؤال حول ما هو المدى الذي يكون فيه المخرج موفقا للدخول إلى عوالم لا يعلم عنها شيئا ولم يختبرها طوال حياته، بما يكون عنده من رأي أو وجهة نظر تتبلور في العمل الفني؟ حيث ادعاء الحياد في الفن أمر يبدو مستحيلا إن لم يكن يحمل بعضا من خداع الذات وخداع الآخرين.
كذلك لا بد للعمل الفني أو لصانع العمل الفني من وجهة نظر ليس بالضرورة أن تكون أسبق من العمل، ولكنها بالضرورة تنتج من صنع وتلقي العمل الفني، وإذا كان لابد للعمل الفني أن تكون له وجهة نظر، فيجب أن تتكون نتيجة تحصيل المعلومات وتراكم قدر من الخبرات الإنسانية بموضوع العمل الفني، إذن من أين لصناع الفيلم سواء المخرج الذي تعلم في المملكة المتحدة ولكاتب الفيلم المعروف بأنه ناشط سياسي وأنه كان من معتقلي إضراب السادس من أبريل في مصر، حتى أنه لم يحضر حصول الفيلم على شهادة التقدير من المهرجان القومي الأخير,من أين لهما بالخبرة والمعلومات عن هذا الموضوع؟!
كما أن الفيلم لم يحاول أن يتبنى طريقة طرح الأسئلة ومحاولة الاقتراب من موضوعه بالفيلم واعتبار أن صناعة الفيلم سؤال طويل أو عدة أسئلة حول هذا الموضوع الغامض؛ ليس لصناعه فقط، ولكن للعديد من مشاهديه ومتلقيه.
ادعاء امتلاك المعرفة
المخرج رامي عبد الجبار
الفيلم ادعى امتلاك الخبرة والمعلومات عن حياة المنقبات، وهو ما انعكس في عدد من المشاهد النمطية والفارغة، ففي أحد المشاهد عندما يبدأ العريس في مناقشة عروس المستقبل حول من تسمعهم من المشايخ الذين يقرءون القرآن ومن منهم تحفظ خلفه، تنهال على المشاهد مجموعة من الأسماء يطرحها الممثل كأنه يريد ذكرها قبل أن ينساها.
ولا يحمل المشهد الكثير من السخرية فقط، ولكنه للأسف يشير لقدر كبير من النمطية والسطحية في التعامل مع هذه الشخصيات، وعدم القدرة على الوصول إلى خصوصية حياتهم ومكونات حواراتهم اليومية، ولذا فهو مشهد متخيل من ذهن صناع الفيلم عما قد يدور بين تلك الشريحة من الناس.
لا أقول إن صناع الفيلم لا يحاولون الإلمام بالتفاصيل في حياة الشخصيات، ولا أنكر صعوبة وغموض هذه الحياة بالنسبة لهم، بل يستطيع من يشاهد الفيلم أن يلمس سعيا حثيثا نحو إدراك هذه التفاصيل، ولكن أغلبها جاء –للأسف- متخيلا أو على أحسن تقدير مغرقا في النمطية التي تصل في بعض الأحيان إلى حدود السطحية.
أقصر من اللازم
ثاني المشاكل هي أن الفيلم لم يمنحنا الوقت الكافي لنتعرف على الشخصيات، ونكون عنها وجهة نظر واضحة، وبدت بعد ذلك مبررات البطلة وحيرتها غير مفهومة وغير مبررة من قبل المشاهدين، وبدلا من أن ينصب جل اهتمام المشاهدين نحو تلقي الفيلم وتكوين رأي عنه تركزت الكثير من المناقشات حول ما فحوى السؤال الذي أرسلته البطلة للشيخ وجعلته ينهرها بهذه الطريقة المبالغ فيها، وأصبحت معرفة السؤال كأنها السؤال الأهم في الفيلم.
على الرغم من أن هناك ما هو أكثر أهمية من هذا السؤال، وهو ما الذي دفع هذه الشابة التي التزمت منذ أكثر من عام إلى أن تدخل هذه الحيرة، التي تعاني منها وما هي دوافع الفتاة لدخول تلك المعاناة؛ نتيجة للتكثيف الشديد والاكتناز المبالغ فيه الذي أدى لتحول الغموض الفني الذي يحفز عملية التلقي إلى غموض معطل وعقبة في طريق هذه العملية.
أبيض +أسود =رمادي
يبقى أن إنجاز المخرج الحقيقي يكمن في المستوى الفني للفيلم وتمكنه وإدارته لجميع تفاصيل عملية صنع الفيلم؛ فعلى مستوى الصورة واللغة البصرية للفيلم اختار المخرج بالتعاون مع مديري التصوير للفيلم اللونين الأبيض والأسود في اختيار جمالي شكلي له دلالات على مستوى رؤية وموضوع الفيلم، فهو الاختيار البصري الأليق بألوان النقاب وزي المنقبات الذي يسيطر عليه اللون الأسود، كما يعكس هذا الاختيار وجهة نظر صناع الفيلم عن حياة ورؤية شخصيات الفيلم، فتبدو صورة الفيلم بمثابة تعليق واضح على حياة الأبطال التي يبدو أنها تنقسم بين الأبيض والأسود، سواء على مستوى الزي أو رؤية الأمور أو تقييم مدركات الحياة.
من هذا المنطلق يبدو موقف البطلة غير الواضح والغامض هو تبديل في طريقة إدراك الحياة بهذا الوضوح وهذا التقسيم الثنائي المستقر فيبدو الموقف رماديا في اختلاف مع سيطرة اللونين الأبيض والأسود.
كما أبدع المخرج في اللقطات التي تدور من وجهة نظر البطلة؛ حيث وضع فيها مدير التصوير إطارا يمثل النقاب على الكاميرا حتى يستطيع المشاهد رؤية العالم وكأنه يراه من خلف نقاب، في تجربة بصرية طازجة وخاصة جدا.
حيث تتبدل اللقطة الإطارية الضيقة المغلقة التي تعمل الحدود السوداء للنقاب بتضييقها إلى أخرى واسعة مفتوحة بعد إزالة النقاب أيضا في تعليق خفي من صناع الفيلم.
أحسن صوت
أما شريط الصوت فقد استطاع المخرج بالتعاون مع مهندس صوته أن يصنع شريط صوت مبهرا عن حق، فيما يعد أفضل شريط صوت لفيلم قصير في مصر، وواحد من أفضل شرائط الصوت حتى للأفلام السينمائية الطويلة.
فهو على قدر كبير من الاحترافية ومراعاة معايير الجودة العالمية في المكساج بين صوت الحوار والموسيقى والمؤثرات البصرية بما لا يقل عن أي شريط صوت لفيلم أجنبي، وهي نقطة تحسب لصانع الفيلم، حيث ظلت مشكلة الصوت هي المشكلة الأساسية التي تعاني منها السينما في مصر، ولا أقصد السينما القصيرة فقط، بل الأفلام الطويلة التجارية أيضا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات تستحق القراءة | السمات:مقالات تستحق القراءة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























